من لطائف التفسير في سورة الجمعة

اللطيفة الأولى: يوم الجمعة كان يسمى في الجاهلية يوم (العَروبة). وأوّل من سمّاه ‏جمعة (كعب بن لؤي) وروي في سبب تسميته أن أهل المدينة اجتمعوا قبل قدوم النبي ‏صلى الله عليه وسلم، فقالوا: تعالوا نجعل لنا يوماً نجتمع فيه فنذكر الله تعالى، ‏ونشكره، فقالوا: يومُ السبت لليهود، ويوم الأحد للنصارى، فاجعلوه يوم العَروبة، ‏فاجتمعوا إلى (أسعد بن زُرارة) فصلَّى بهم يومئذٍ ركعتين، وذكّرهم، فسميت الجمعة ‏حين اجتمعوا إليه، فذبح لهم شاة فتغدّوا وتعشّوا منها، فهي أول جمعة كانت في ‏الإسلام.
اللطيفة الثانية: في التعبير بقوله تعالى: (فاسعوا إلى ذِكْرِ الله) لطيفة وهي أنه ينبغي ‏للمؤمن أن يقوم إلى صلاة الجمعة بجدٍّ ونشاط، وعزيمة وهمَّة، لأن لفظ (السعي) يفيد ‏القصد والجدّ والعزة، وليس المراد منه العَدْو في المشي فإنّ ذلك منهي عنه.
قال الحسن: والله ما هو سعي على الأقدام، ولكنّه سعي بالقلوب وسعي بالنيّة، وسعي ‏بالرغبة، ولقد نُهوا أن يأتوا الصلاة إلاّ وعليهم السكينة والوقار.
اللطيفة الثالثة: أُطلق لفظ البيع (وذروا البيع) وقصد به جميع أنواع المعاملة من بيع، ‏وشراء، وإجارة، وغيرها من المعاملات فهو على سبيل المجاز المرسل.
قال أبو حيان: وإنما ذكر البيع من بين سائر المحرَّمات، لأنه أكثر ما يشتغل به ‏أصحاب الأسواق، إذ يكثر الوافدون من القرى إلى الأمصار ويجتمعون للتجارة إذا ‏تعالى النهار، فأُمروا بالبدار إلى تجارة الآخرة، ونُهوا عن تجارة الدنيا حتى الفراغ من ‏الصلاة.
اللطيفة الرابعة: كان السلف الصالح يقتدون برسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع ‏أفعاله وحركاته وسكناته، حتى ولوْ لم يدركوا السرّ فيه، وذلك من فرط حبِّهم لرسول ‏الله صلى الله عليه وسلم، فقد روي عن بعضهم أنه كان إذا صلَّى الجمعة خرج فدار ‏في السوق ساعة، ثم رجع إلى المسجد فصلَّى ما شاء الله تعالى أن يصلي، فقيل له: ‏لأيّ شيء تصنع هذا؟ قال: إني رأيت سيّد المرسلين صلى الله عليه وسلم هكذا يصنع، ‏وتلا هذه الآية: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصلاة).
اللطيفة الخامسة: كان عِراك بن مالك إذا صلى الجمعة انصرف فوقف على باب ‏المسجد فقال: اللهمّ إني أجبتُ دعوتك، وصلَّيتُ فريضتك، وانتشرت كما أمرتني، ‏فارزقني من فضلك وأنت خير الرازقين.
اللطيفة السادسة: في قوله تعالى: (واذكروا الله كَثِيراً (لطيفة وهي أن الله عز وجل أمر ‏بالسعي في طلب الرزق، والاشتغال بالتجارة، ولمّا كان هذا قد يسوق الإنسان إلى ‏الغفلة، وربما دفعته الرغبة في جمع المال، إلى الكذب، والغش، والاحتيال، أُمِر المسلمُ ‏أن يذكر الله تعالى، ليعلم أن الدنيا ومتاعها فانية وأن الآخرة وما فيها باقية، وأنّ ما ‏عند الله خير وأبقى، فلا تشغله تجارة الدنيا عن تجارة الآخرة كما قال تعالى في ‏وصف المؤمنين )رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ الله) وهذا هو السرّ في الأمر ‏بذكر الله كثيراً فتدبره.
من كتاب روائع البيان في تفسير آيات الأحكام، د. محمد علي الصابوني، 2/579‏

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

arArabic