إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم – الحلقة الثانية

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله نتابع في هذه الحلقة بعض جوانب هداية القرآن للتي هي أحسن من خلال عرض بعض تشريعاته النافعة الفريدة التي لم تعرف لمة من الأمم ولم يصل إليها قانون من القوانين. قال تعالى: (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم)، قال الشيخ الشنقيطي -رحمه الله- في تفسيره القيم المسمى (أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن): ” لو تتبعنا تفصيلها على وجه الكمال لأتينا على جميع القرآن العظيم لشمولها لجميع ما فيه من الهدى إلى خيري الدنيا والآخرة. ولكننا إن شاء الله تعالى سنذكر جملا وافرة في جهات مختلفة كثيرة من هدى القرآن للطريق التي هي أقوم بيانا لبعض ما أشارت إليه الآية الكريمة، تنبيها ببعضه على كله من المسائل العظام، والمسائل التي أنكرها الملحدون من الكفار، وطعنوا بسببها في دين الإسلام، لقصور إدراكهم عن معرفة حكمها البالغة. فمن ذلك توحيد الله جل وعلا، فقد هدى القرآن فيه للطريق التي هي أقوم الطرق وأعدلها، وهي توحيده جل وعلا في ربوبيته، وفي عبادته، وفي أسمائه وصفاته. وقد دل استقراء القرآن العظيم على أن توحيد الله ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: توحيده في ربوبيته، وهذا النوع من التوحيد جبلت عليه فطر العقلاء، قال تعالى: (ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله) ، وقال: (قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون) ، وإنكار فرعون لهذا النوع من التوحيد في قوله: (قال فرعون وما رب العالمين) تجاهل من عارف أنه عبد مربوب؛ بدليل قوله تعالى: (قال لقد علمتَ ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر ..) الآية، وقوله: وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا. وهذا النوع من التوحيد لا ينفع إلا بإخلاص العبادة لله، كما قال تعالى: (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون). والآيات الدالة على ذلك كثيرة جدا. الثاني: توحيده جل وعلا في عبادته، وضابط هذا النوع من التوحيد هو تحقيق معنى “لا إله إلا الله” وهي متركبة من نفي وإثبات، فمعنى النفي منها: خلع جميع أنواع المعبودات غير الله كائنة ما كانت في جميع أنواع العبادات كائنة ما كانت. ومعنى الإثبات منها: إفراد الله جل وعلا وحده بجميع أنواع العبادات بإخلاص، على الوجه الذي شرعه على ألسنة رسله عليهم الصلاة والسلام. وأكثر آيات القرآن في هذا النوع من التوحيد، وهو الذي فيه المعارك بين الرسل وأممهم؛ (أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب). ومن الآيات الدالة على هذا النوع من التوحيد قوله تعالى: (فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك ..) الآية، وقوله: (ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت)، وقوله: (وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون)، وقوله: (واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون)، وقوله: (قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فهل أنتم مسلمون)؛ فقد أُمر في هذه الآية الكريمة أن يقول: إن ما أوحي إليه محصور في هذا النوع من التوحيد، لشمول كلمة: “لا إله إلا الله” لجميع ما جاء في الكتب؛ لأنها تقتضي طاعة الله بعبادته وحده. فيشمل ذلك جميع العقائد والأوامر والنواهي، وما يتبع ذلك من ثواب وعقاب، والآيات في هذا النوع من التوحيد كثيرة. النوع الثالث: توحيده جل وعلا في أسمائه وصفاته .. وهو موضع الحلقة التالية بإذن الله تعالى.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

arArabic