إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم – الحلقة الأولى

قال الله عزوجل في محكم كتابه الكريم:
(إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرًا كبيرا. وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة أعتدنا لهم عذابًا أليمًا)
نعيش هذه السلسلة بإذن الله تعالى مع أعظم سمة من سمات كتاب الله عز وجل الذي أنزله هدًى للعالمين، فقال في مفتتح كتابه في أول سورة البقرة التي اشتملت على أصول الإيمان وكليات الشريعة وحوت معظم مقاصد القرآن العظيم: (الم. ذلك الكتاب لا ريب فيه هدًى للمتقين)، ولقد سميت سورة البقرة باسم القصة التي وردت فيها قصة بقرة بني إسرائيل وهي قصة تشير إلى وجوب المسارعة إلى امتثال شرع الله، وعدم التلكؤ فيه كما حصل من اليهود في هذه القصة، وقد ورد في ثنايا القصة قول موسى لقومه (فافعلوا ما تؤمرون) أي لا تجادلوا في أمر الله ولا تتلكأوا في الاستجابة، فكان من عقوبة الله تعالى أن شدد عليهم بعد أن كان يُجْزِئُهم أن يذبحوا بقرة ما. وهكذا تجد أن اليسر كله والخير كله فيما شرعه الله وأن المشقة كلها والعسر كله فيما شرعه العباد لأنفسهم معرضين عن أمر الله وإن ظنوا فيه الخير. وما ذاك إلا لأن طريقة القرآن هي الطريقة المثلى وتشريعه هو الخير كله والصلاح كله.
(إن هذالقرآن يهدي للتي هي أقوم)
أي للحالة أو الطريقة أو الملة التي هي أقوم أي أعدل وأصوب، فمهما اجتهد الناس في تحري العدل والصواب، ومهما ظنت البشرية أنها تقدمت في جوانب التشريع فلن تأتي بشيء يصلح لمقارنته بتشريعات القرآن، وليس أفعل التفضيل هنا على بابه بل المقصود أن القرآن قد بلغ في الصواب والعدل غاية المنتهى.
وهداية القرآن هداية مطلقة في الزمان والمكان والأشخاص والمضمون فهو هدى في كل زمان ومكان ولكل الناس بكل ما تضمنه من الأخبار والأحكام.
يهدي للتي هي أقوم في جانب الاعتقاد، بالعقيدة الواضحة البسيطة التي لا تعقيد فيها ولا غموض، والتي تطلق الروح من أثقال الوهم والخرافة، وتطلق الطاقات البشرية الصالحة للعمل والبناء، وتربط بين قوانين الطبيعية وبين الفطرة البشرية في تناسق واتساق.
ويهدي للتي هي أقوم في التنسيق بين ظاهر الإنسان وباطنه، وبين مشاعره وسلوكه، وبين عقيدته وعمله، فإذا هي كلها مشدودة إلى العروة الوثقى التي لا تنفصم، وهي كلمة التوحيد.
ويهدي للتي هي أقوم في جانب العبادة بالموازنة بين التكاليف والطاقة، فلا تشق التكاليف على النفس حتى تمل وتيأس من الوفاء، ولا تسهل وتترخص حتى تشيع في النفس الرخاوة والاستهتار، ولا تتجاوز القصد والاعتدال وحدود الاحتمال .
ويهدي للتي هي أقوم في علاقات الناس بعضهم ببعض، أفراداً وجماعات ودولاً وأجناساً، على الأسس التي أقامها العليم الخبير لخلقه، وهو أعلم بمن خلق، وأعرف بما يصلح لهم في كل أرض وفي كل جيل، فيهديهم للتي هي أقوم في جوانب الاجتماع والاقتصاد والمعاملات بشتى درجاتها.
(إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم، ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً كبيراً ، وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة أعتدنا لهم عذاباً أليماً) فهذه هي قاعدته الأصيلة في العمل والجزاء. فعلى الإيمان والعمل الصالح يقيم بناءه. فلا إيمان بلا عمل، ولا عمل بلا إيمان، وبهما معاً تتحقق الهداية بهذا القرآن العظيم.
فأما الذين لا يهتدون بهدي القرآن، فهم متروكون لهوى الإنسان الجاهلِ بما ينفعه وما يضره، الخاضع لأهوائه ولو كان من ورائها الشر كله.
وفي الحلقات القادمة بإذن الله نفصل تباعًا بعض جوانب الهداية القرآنية في كل مجالات الحياة. وبالله توفيقنا.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

arArabic