رسالة إلى معلمي ومعلمات القرآن العظيم

الحمد لله الذي أنزل علينا الكتاب وشرفنا بحمله، وجعلنا من خير أمة أخرجت للناس، والصلاة والسلام على من أنقذ الله به البشرية من التيه والضلال بما أنزل عليه من النور المبين والهدى المستقيم.

أما بعد

فهذه رسالة إلى معلمي ومعلمات القرآن العظيم

أنتم أهل الله وخاصته، أنتم صفوة البشرية من كل حاضر وبادٍ، في قديم أوحديث، فإياكم أن تظنوا أن أحدا ممن أوتي حظا من الدنيا أو من علومها أو من الشهادات والمناصب قد أوتي خيرا مما آتاكم الله من القرآن والفضل العظيم، ومن ظن ذلك منكم فما قدر القرآن حق قدره؛ فإن شرف العالم بما يحمله من العلم وأي علم أفضل من كتاب الله عز وجل، وإن تفاخر الناس بالمال والجاه فإنه فخر بما لا يغني ولا يجدي، وإن ما ينتظركم عند الله خير وأبقى.

لكن لا تظنوا أن هذا الفضل ينالكم وأنتم  تتلون الكتاب بألسنتكم وتخالفونه بأعمالكم؛ فإن القرآن ما أنزل إلا ليُعمل به، وليكون حاكمًا لحياة الناس في كل مناحيها، وإن نبيكم ﷺ كان يتمثل القرآن واقعا هو وصحبه الكرام، فكان خلقه القرآن، وكان لأصحابه قدوةً لا يخطئون مواقع أقدامه في سيرهم إلى الله عز وجل؛ فتم لهم رضوان الله، ووجبت لهم جنته، وتم لهم النصر والرفعة في الدنيا، وحفظ التاريخ مآثرهم بما لا يباريهم فيه أحد.

ولقد قام عليكم من الحجة بالقرآن ما لم يقم على غيركم. وعلى قدر فضلكم عند الله تعالى عظم المسئولية المنوطة برقابكم، ألم تسمعوا قول الله تعالى لنساء نبيكم  ﷺ خيرِ نساء العالمين، رضي الله عنهن: (لستن كأحد من النساء إن اتقيتن)، فشرط في تفضيلهن وتميزهن على غيرهن من النساء تقوى الله عز وجل، والإقامةَ على طاعته وتركَ معصيته؛ إذ لا نسب بين الله وبين أحد من خلقه، وإنما هو الميزان العادل والقضاء الحق.

فإن فرطتم في هذا الشرط كان غيركم ممن يعمل بالقرآن ويقتدي بسيد الأنام أسعد بالله وأقرب إليه منكم، فيفضلكم بالعمل وإن كان أقل منكم حفظا للقرآن واستظهارا له، ويبقى القرآن حجة عليكم لا حجة لكم. ثم تزداد الحجة عليكم بحمل أوزار من يقتدي بكم من تلاميذكم في التفريط وفي ترك العمل بالقرآن، فأنتم قدوة، شئتم ذلك أم أبيتم؛ فما كان من عمل صالح، أو خلق حسن، أو عادة مرضية تخلق بها تلاميذكم اقتداءً بكم فهي سنة حسنة لكم أجرها وأجر من عمل بها اقتداءً بهم إلى يوم القيامة. وما كان بضد ذلك فاقتدوا فيه بكم فهو سنة سيئة يتحمل مَن سَنها وزر من عمل بها إلى يوم القيامة، فاتقوا الله في تلاميذكم فإنهم يتتبعون خطاكم، بل ويحبون أن يأتسوا بكم في كل شيء حتى في المباحات والعادات، فاغتنموا فرصة الحسنات الجارية التي تكتب لكم وقد عملها غيركم، فأي فضل فوق هذا الفضل؟!

قد يترسخ في ذهن التلميذ أن حفظ القرآن شيء والعمل به شأن آخر، فهو للاستظهار فقط، يترسخ ذلك في ذهنه دون أن يلقنه إياه أحد، ولكن لما يرى من تفريط الذين حملوا إليه القرآن وأدوه إليه، فتقل هيبة القرآن في قلبه، وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله، باقتداء غيركم بكم فيما يخالف القرآن.

واعلموا أن القلب العامر بالقرآن يتسع لنور الإيمان ويضيق عن كل ما سواه من التوافه واللغو، ومن المنكرات والمعاصي، وإلا فإن القرآن لا يجاوز الألسنة، أو الحناجر والتراقي، فلا يبلغ القلوب ولا تذوق حلاوته. وإن من ذاق حلاوة القرآن صغُرت عنده كل لذة، وتضاءل عنده كل جمال، وهانت عليه الدنيا بمتاعها وزخرفها ،فلا يمد عينيه إلى ما مُتِّع به آخرون، بل يستعلي بالقرآن على كل متاع، ويستغني بترديده عن كل ما تستطيبه آذان الغافلين عن ذكر الله.

رضي الله عن لبيدِ بن ربيعةَ العامري، الشاعرِ الفذ، الذي ترك الشعر لما أسلم؛ استغناءً عنه بلذة القرآن، وما كان في شعره مجون ولا فساد، لكن حلاوة القرآن غلبت عنده حلاوة الشعر، فاحتقر كل بلاغة وتضاءلت عنده كل فصاحة، وهو الخبير بمواطن القول، ومواقع البلاغة، إذ قال له عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوما: أنشدني شيئًا من شعرك، فقال: “ما كنت لأقول شعرًا بعد أن علمني الله البقرة وآل عمران”. وما كان عليه شيء لو قال. لكن ماذا يبلغ الشعر من قلب مازجه القرآن بجماله ومهابته؟!

كيف بصاحب القرآن يصغي أذنيه لنغْمة قينة، أو مزمار فاجر؟! وكيف يجتمع الغناء والقرآن في القلب؟! كيف يجتمع كلام الرحمن مع صوت الشيطان؟! وكيف يجتمع نبات القرآن من الإيمان والتقوى مع ما ينبته الغناء في القلب من النفاق؟! يقول ابن مسعود رضي الله عنه: “إن الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الربيع البقل”. ويقول الشافعي رحمه الله: “خلفت ببغداد شيئا يسمونه التغبير يصدون به الناس عن كتاب الله عز وجل”. والتغبير عبارة عن شعرٍ مُزَهِّدٍ في الدنيا، ليس معه آلة موسيقى، ولكن إذا غنّى المغني به، ضَرَبَ الحاضرون بعصًا ونحوها على بساط أو مخدّة ضرْباً موافقاً لأوزان الشعر، فأين هذا من الموسيقى المحرمة بالإجماع، وأين هذا من الغناء المثير للغرائز، يريد به الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما.

معلم القرآن ليس ملقنًا فقط. إنما هو قدوة في مظهره سلوكه وهيئته فعلا وتركا؛ فليتق الله فيمن حوله، وليصبر عن زخارف الدنيا ولينتظر بها زمن الحياة القصير؛ رغبة في نعيم لا يزول، وقرة عين لا تنقطع، في جنة عرضها السموات والأرض، فالدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، ومع ذلك فللمؤمن فيها جنة ينفذ منها إلى جنة الآخرة، إنها جنة الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب. وحين تستقيم نفسه على طاعة الله عز وجل؛ فيضيق صدره بالمعاصي وأهلها، ويستوحش من الخلق، ويأنس بالخالق سبحانه في صلاته وتلاوته وذكره، وفي خلوته وجلوته.

وأخيرا إليكم ما قال ابن مسعود رضي الله عنه: “ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله إذا الناس نائمون، وبنهاره إذا الناس مفطرون، وبحزنه إذا الناس يفرحون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبصمته إذا الناس يخوضون، وبخشوعه إذا الناس يختالون”.

وإليكم هذا النموذج الرائع من حملة القرآن. إنه الصحابي الجليل سالم مولى أبي حذيفة رضي الله عنهما، لما أخذ الراية يوم اليمامة بعد مقتل زيد بن الخطاب رضي الله عنه، قال له المهاجرون: أتخشى أن نؤتى من قبلك؟ فقال: بئس حامل القرآن أنا إذن. انقطعت يده اليمنى فأخذ الراية بيساره، فقطعت يسراه فاحتضن الراية وهو يقول: (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل)، (وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير).

أصلحكم الله يا أهل القرآنِ يا قرة العين، وأصلح بكم العباد والبلاد.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

arArabic